تصاعدت وتيرة الغلاء في مصر لتلقي بأعباء غير مسبوقة على ملايين المواطنين، عقب إطلاق شعبة المواد الغذائية بالاتحاد العام للغرف التجارية وغرفة الجيزة تحذيرات رسمية من انفلات أسعار السلع، مطالبين حكومة الانقلاب بالتدخل العاجل لحماية القدرة الشرائية المتآكلة بفعل تراجع قيمة العملة وموجات التضخم المتتالية.
وتعيش الأسواق المحلية حالة اضطراب واسعة بالتزامن مع امتناع شركات كبرى عن تدوين الأسعار على المنتجات الأساسية، بهدف تمرير زيادات مستمرة تضاعف من عجز ميزانيات الأسر، وسط مطالبات تجارية حثيثة بفرض انضباط حقيقي يوازن بين آليات السوق الحر وضمان عدم استغلال المستهلكين في ظل غياب الرقابة الفعالة.
أزمة أسعار الغذاء ترهق الأسر المصرية
وبحسب البيانات المعلنة، يرى رئيس شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية بالجيزة هشام الدجوي أن موجات الصعود المتتابعة في تكلفة المعيشة فرضت ضغوطاً خانقة على دخل المواطن، داعياً أجهزة حكومة الانقلاب إلى التحرك الجاد لوضع حد لتدهور المستويات المعيشية والعمل على تخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالفئات البسيطة.
وفي ضوء ذلك، شدد رئيس الشعبة بالجيزة على أن منظومة التموين القائمة تكتفي بتوفير جانب ضئيل من المتطلبات اليومية لحياة الأسر، في وقت تشهد فيه منافذ البيع تذبذباً حاداً مدفوعاً بأنباء متداولة بشأن مراجعة أسعار المحروقات من البنزين والسولار، فضلاً عن السكر، مما بث توتراً كبيراً بين المستهلكين.
واستناداً إلى تلك الوقائع، يؤكد تجار التجزئة أن مخصصات الدعم التمويني أصبحت عاجزة عن مواجهة القفزات المتتالية، حيث تلتهم زيادات الأسعار الشهرية أي حزم دعم تقدمها الدولة، مما يدفع ملايين الأسر نحو تقليص حصصها الغذائية اليومية لتوفير بدائل رخيصة تفتقر إلى القيمة الغذائية المطلوبة في ظل الغلاء المستفحل.
ومن زاوية تحليلية، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور عبد النبي عبد المطلب أن تآكل القدرة الشرائية ناتج عن التضخم المستورد وانهيار سعر الصرف، مشيراً إلى أن ترك الفئات الهشة فريسة لتقلبات السوق يهدد الاستقرار المجتمعي، ومؤكداً أن الدعم العيني يحتاج إلى مضاعفة فورية تتماشى مع معدلات الغلاء الحقيقية.
وبموازاة ذلك التدهور، تفيد تقارير نقابية بارتفاع نسبة إنفاق المواطنين على الطعام إلى أكثر من 60 في المئة من إجمالي الدخل، مما أجبر عائلات عديدة على الاستدانة وتراكم الديون لسد الفجوة بين الأجور الثابتة والأسعار المتصاعدة، وهو ما ينذر باتساع رقعة الفقر الغذائي بين أصحاب الدخول المحدودة والعمالة اليومية.
فوضى التسعير وغياب الرقابة الحكومية
وعلى صعيد الممارسات التجارية، أشار هشام الدجوي إلى خضوع التجارة في مصر لمنظومة السوق الحر وغياب التسعيرة الإلزامية، لافتاً إلى استغلال شركات إنتاجية هذا الوضع بالامتناع المتعمد عن كتابة الأسعار على عبوات السلع، بهدف التمتع بمرونة غير مقيدة لتغيير الأسعار بصورة دورية ومفاجئة دون اعتبار لحقوق المستهلكين.
وانطلاقاً من هذا التهرب، أكد مسؤولو شعبة المواد الغذائية أن تغييب بطاقات السعر يسلب المواطن حقه في المعرفة، ويزيد من عجز الأجهزة المعنية عن رصد المضاربات غير المشروعة، مطالباً حكومة الانقلاب بالقيام بمسؤولياتها القانونية عبر تفعيل دور أجهزة حماية المستهلك وإلزام المنتجين ببيانات سعرية واضحة تمنع الجشع التجاري.
وبحسب الخبير الاقتصادي والمستشار المالي الدكتور وائل النحاس، فإن غياب التشريعات الصارمة التي تجبر الشركات على تثبيت السعر يمثل تراجعاً حكومياً عن حماية العدالة الاجتماعية، موضحاً أن ترك آليات التسعير رهينة للشركات الاحتكارية يحول مفهوم الاقتصاد الحر إلى فوضى عارمة يدفع ثمنها المواطن البسيط بصورة يومية.
وتأكيداً لتلك المعضلة، تجد منافذ البيع الصغرى نفسها في مواجهة مباشرة مع غضب الجماهير، بينما تظل الشركات الموردة في مأمن من المحاسبة، الأمر الذي يكرس انعدام الشفافية في سلاسل التوزيع، ويجعل المستهلك فريسة لتفاوت سعري غير مبرر للسلعة الواحدة بين متجر وآخر في نفس الحي والشارع.
وتجسيداً لهذا الخلل، تطالب الأوساط التجارية بإنشاء لجان تسعير استرشادية ملزمة تراقب هوامش الربح الحقيقية للمصانع، لافتة إلى أن استمرار تراخي الرقابة التموينية يمنح كبار الموزعين فرصة حبس البضائع أو تسعيرها كيفما يشاؤون، مما يقوض أي محاولة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود في الأسواق المضطربة.
تداعيات الغلاء واختلال حركة الأسواق
وفي سياق رصد المؤشرات، تناول عضو شعبة المواد الغذائية بالاتحاد العام للغرف التجارية حازم المنوفي تفاصيل التغيرات الجارية، مؤكداً أن قفزات أسعار الزيت والفول تعود بالأساس إلى تراجع الجنيه أمام الدولار، مما يدعو إلى التريث في فرض زيادات إضافية ودراسة حركة المبيعات الفعلية ومعدلات الشراء المتاحة لدى المواطنين.
وبموجب البيانات التقديرية، أوضح المنوفي أن سلعة الزيت ترتبط كلياً بالاستيراد الخارجي، الأمر الذي يجعل كلفة تدبير النقد الأجنبي عنصراً حاكماً في تحديد السعر النهائي للمستهلك، مشدداً على أن مصلحة التاجر لا تتوافق إطلاقاً مع زيادة الأسعار لأنها تؤدي بالضرورة إلى انكماش السيولة وكساد حركة التجارة وتراجع الإقبال.
وبالنظر إلى سلعة الفول، سجلت الأسواق زيادة جديدة قُدرت بنحو 5 جنيهات للكيلو، حيث تراوحت مستويات الأسعار المتداولة بين 36 و45 جنيهاً في بعض المنافذ، بينما قفزت في مستويات أخرى لتصل إلى ما بين 45 و50 جنيهاً للكيلو، مما يحرم الأسر الفقيرة من ملاذها الغذائي الأساسي.
وفي قراءة اقتصادية متخصصة، يؤكد أستاذ الاقتصاد وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع الدكتور علي الإدريسي أن وصول الفول إلى مستوى 50 جنيهاً يعكس فشل السياسات الزراعية في تحقيق الاكتفاء الذاتي، لافتاً إلى أن الاعتماد المفرط على الاستيراد يترك مائدة المواطن رهينة لتقلبات البورصات العالمية وشح العملة الصعبة داخل البنوك.
ونتيجة لهذا الارتفاع الصادم، تشهد محلات التجزئة تراجعاً ملموساً في كميات الشراء اليومية، إذ بات المستهلكون يشترون بالجرامات لتفادي الكلفة المتزايدة، في حين يواجه صغار التجار مشكلات متراكمة تتعلق بتلف المخزون بسبب بطء دوران البضائع، مما يهدد بإفلاس شريحة واسعة من أصحاب المشروعات التجارية الصغيرة في مختلف المحافظات.
وبناءً على تلك التطورات، يبقى الوضع مفتوحاً على مزيد من التأزم ما لم تسارع حكومة الانقلاب إلى تطبيق رقابة صارمة تحقق التوازن العادل بين أرباح التجار وقدرات المواطنين، وتضع حداً للفوضى السعرية التي باتت تستنزف ما تبقى من مدخرات الطبقة العاملة وتدفع بالشارع نحو حافة الانفجار الاجتماعي.

